النبي بين العقل والعاطفة:دراسة تاريخية تحليلية
الملخص
يبحث المقال في نظريّة الفعل الفرديّة في التَّنبُّؤ عند الإنسان، فهل هناك مدخليّة لنفس النّبيّ في التّنبُّؤ (العقل)، أم أنّ العمليّة برمّتها اختيار واصطفاء (العاطفة)، ولا يخفى أنّ الغور تاريخيًّا في الموضوع يؤسّس لنا مدخلًا ثيولوجيًّا وميثولوجيًّا مهمًّا ترك أثره الكبير على فلاسفة اللّاهوت من اليهود والمسلمين، خصوصًا في الاتّجاه الفلسفيّ عبر فكرة ترقي النّبيّ بمخيّلته والاتّصال بالعقل الفعّال وعالم العقول العالية؛ لتتشابك الأبعاد: النفسيّة والمعرفيّة والميتافيزيقيّة، بما يعقد فهم تلك العمليّة، وبيان صياغتها.
قد تمّت دراسة الموضوع بالسّبر التّاريخيّ التّحليليّ لتشكيل صورة متكاملة للنبوّة في المُخيّل العام للإنسان ليصار بعدها إلى تأطيره بدراسة فعل النّبوّة في اليهوديّة والإسلام، مركزين البحث على فعل التنبُّؤ دون الدخول في تفاصيله، مثل: مسألة الرّسول، والرّسالة، والعصمة، وغيرها.
يمكن القول: إنّ نظريّات النّسق التّنبُّؤيّ، في واقعها، تنحصر في أمرين؛ إمّا أن تكون المبادرة من الله نحو البشر (العاطفة، الله)، وإمّا أن تكون المبادرة من البشر نحو الله (العقل، الإنسان)، دون تغييب أيّ من المداليل المعرفيّة والنفسيّة والاجتماعيّة المتشابكة، وما الخلاف في الاشتقاق اللّغويّ للفظة (النّبيّ) إلّا كاشف جوهريّ عن تباين هاتين النَّظريّتين، ناهيك عن أنّ دراسة الحقب الزّمنيّة المختلفة منذ أقدم العصور تؤكّد لنا ذلك الأمر، فلا يمكن والحال تلك الوقوف أمام الرّأي المُتفلسِف سوى أنّه استمرار لذاك المدّ السّاحق في الزمن، وهو الأمر الّذي ظهر في فلسفات الإغريق والشرق الأدنى وفلسفات الأديان الكبرى كاليهوديّة والإسلام، فليس بدعًا من القول الذّهاب إلى رُقيّ النبي بعقله سلم الخيال لتلقّي الوحي من العقل الفعّال. ومِنْ ثَمَّ، العود به وذلك؛ إنّما نسق واحد من أنساق التّجاذب في النّبوّة بينه وبين النّسق الدّينيّ البحت، وذلك يُبيّن الفرق الشّاسع بين نصوص المتون المُقدّسة بِبُعدها التاريخيّ وبين النّصوص المُقدّسة بِبُعدها التأويليّ الفلسفيّ الّذي لا يستسيغ أبدًا حصر فعل النّبيّ بأنّه مُتلقٍ عن الله؛ وإنّما يصعده ليرتقي سُلّم المعقولات الوجوديّة عبر قوّة الخيال فيتّصل بالعقل الفعّال الذي هو المفيض المعرفيّ الأوّل لهذا الكون الرّحب، وذاك يعني وجوب العود لا محالة إلى التّاريخ لفهم البُعد الوجوديّ للمتون المُقدّسة؛ إذ لا نعدم أن يكون فهمها هو البُعْد الآخر لوجودها الكتابيّ والشفاهيّ.





